ابن كثير
199
البداية والنهاية
عبد العزيز أن يكون الخليفة من بعده ، ونعم ما فعل ( 1 ) . وفيها فتحت مدينة الصقالبة . قال الواقدي : وقد أغارت البرجان على جيش مسلمة وهو في قلة من الناس في هذه السنة . فبعث إليه سليمان جيشا فتقاتل البرجان حتى هزمهم الله عز وجل . وفيها غزا يزيد بن المهلب قهستان ( 2 ) من أرض الصين فحاصرها وقاتل عندها قتالا شديدا ، ولم يزل حتى تسلمها ، وقتل من الترك الذين بها أربعة آلاف صبرا ، وأخذ منها من الأموال والأثاث والأمتعة ما لا يحد ولا يوصف كثرة وقيمة وحسنا ، ثم سار منها إلى جرجان فاستجاش صاحبها بالديلم ، فقدموا لنجدته فقاتلهم يزيد بن المهلب وقاتلوه ، فحمل محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي - وكان فارسا شجاعا باهرا - على ملك الديلم فقتله وهزمهم الله ، ولقد بارز ابن أبي سبرة هذا يوما بعض فرسان الترك ، فضربه التركي بالسيف على البيضة فنشب فيها ، وضربه ابن أبي سبرة فقتله ، ثم أقبل إلى المسلمين وسيفه يقطر دما وسيف التركي ناشب في خوذته ، فنظر إليه يزيد بن المهلب فقال : ما رأيت منظرا أحسن من هذا ، من هذا الرجل ؟ قالوا : ابن أبي سبرة . فقال : نعم الرجل لولا انهماكه في الشراب . ثم صمم يزيد على محاصرة جرجان وما زال يضيق على صاحبها حتى صالحه على سبعمائة ألف درهم وأربعمائة ألف دينار ، ومائتي ألف ثوب ، وأربعمائة حمار موقرة زعفرانا ، وأربعمائة رجل على رأس كل رجل ترس : على الترس طيلسان وجام من فضة وسرقة من حريرة ( 3 ) ، وهذه المدينة كان سعيد بن العاص فيها فتحها صلحا على أن يحملوا الخراج في كل سنة مائة ألف ، وفي سنة مائتي ألف ، وفي بعض السنين ثلاثمائة ألف ، ويمنعون ذلك في بعض السنين ، ثم امتنعوا جملة وكفروا ، فغزاهم يزيد بن المهلب وردها صلحا على ما كانت عليه في زمن سعيد بن العاص . قالوا : وأصاب يزيد بن المهلب من غيرها أموالا كثيرة جدا ، فكان من جملتها تاج فيه جواهر نفيسة ، فقال : أترون أحدا يزهد في هذا ؟ قالوا : لا نعلمه ، فقال : والله إني لاعلم رجلا لو عرض عليه هذا وأمثاله لزهد فيه ، ثم دعا بمحمد بن واسع - وكان في الجيش مغازيا - فعرض عليه أخذ التاج فقال : لا حاجة لي فيه ، فقال : أقسمت عليك لتأخذنه ، فأخذه وخرج به من عنده ، فأمر يزيد رجلا أن يتبعه فينظر ماذا يصنع بالتاج ، فمر بسائل فطلب منه شيئا فأعطاه
--> ( 1 ) في الاخبار الطوال ص 329 قال : " لما ثقل كتب كتابا وختمه ثم قال لصاحب شرطه : " أجمع إليه اخوتي وعمومتي وجميع أهل بيتي وعظماء أجناد الشام واحملهم على البيعة لمن سميت في هذا الكتاب ، فمن أبى منهم أن يبايع ، فاضرب عنقه " وقال : إن أخوي يزيد هشام ويزيد لم يبلغا أن يؤتمنا على الأمة فجعلتها للرجل الصالح ، عمر بن عبد العزيز ، فإذا توفي عمر رجع الامر إليهما . ( انظر مروج الذهب 3 / 224 ) وفي الإمامة والسياسة 2 / 114 نسخة كتاب سليمان بعهده إلى عمر مطولا . ( 2 ) في الطبري 8 / 118 وابن الأعثم 7 / 287 : دهستان . ( 3 ) كذا بالأصل وفي رواية للطبري 8 / 120 ، وفي رواية أخرى للطبري : على ثلاثمائة ألف وهي رواية ابن الأعثم أيضا وزاد وعلى مائتي رأس رقيق وولى عليهم أسد بن عبد الله الأزدي 7 / 289 .